العلامة المجلسي
306
بحار الأنوار
والالهام ، وبعثهم الله لتكميل الانعام . لشبه واهية اعترف مبدؤها بضعفها ، حيث قال الشيخ وأرسطو : إنها مسألة جدلية الطرفين فيا إخوان الدين ، وخلان اليقين إن لم يغلب على قلوبكم الرين ، فافتحوا العين ، وارفعوا العناد من البين ، وانظروا بأبصار مكحولة بالانصاف مشفية من رمد التعصب والاعتساف ، فتكونوا في أصول الدين من أصحاب اليقين ، وتدخلوا في حزب الأنبياء والأوصياء والصديقين ، ولا تعتمدوا على أصولكم ، ولا تتكلموا على عقولكم ، لا سيما في المقاصد الدينية ، والمطالب الإلهية ، فإن بديهة العقل كثيرا ما تشتبه ببديهة الوهم ، والمألوفات الطبيعية بالأمور اليقينية ، والمنطق لا يفي بتصحيح مواد الأقيسة ، وزن أفكارك بميزان الشرع المبين ، ومقياس الدين المتين ، وما تحقق صدوره عن الأئمة الراسخين ، صلوات الله عليهم أجمعين ، لئلا تكون من الهالكين . ( تكملة ) اعلم أن العلماء اختلفوا في أول المخلوقات ، واختلف الاخبار أيضا في ذلك فالحكماء يقولون : أول المخلوقات العقل الأول ، ثم العقل الأول خلق العقل الثاني والفلك الأول ، وهكذا إلى أن انتهى إلى العقل العاشر فهو خلق الفلك التاسع وهيولي العناصر ، وجماعة منهم يقول بأن تلك العقول وسائط لايجاده تعالى ولا مؤثر في الوجود إلا الله ، وكل ذلك مخالف لما ظهر وتبين من الآيات والاخبار ، وأجمع عليه المليون ( 1 ) .
--> ( 1 ) العقول العشرة فرضية فرضها المشاؤون لتصحيح صدور الكثير من الواحد وهي مبتنية على وجود الأفلاك التسعة وكونها ذوات نفوس مريدة ولا برهان على شئ منها ، لكن لا مجال لانكار العالم العقلي في الجملة ، وقد أشبع الكلام في اثباته في الكتب الحكمية لا سيما في الحكمة المتعالية ، فلنشر ههنا إلى ما يستفاد من الاخبار الشريفة فنقول : الروايات التي وردت في تعيين أول ما خلق الله تعالى على صنفين : منها ما هو صريح في تعيين جسم ما كالماء مثلا ، ومنها ما يتشابه المراد منه في بدء الامر هل هو جسم أو غير جسم ؟ مثل ما ورد في كونه نور النبي صلى الله عليه وآله أو العقل أو القلم لكن فيها ما يفسر سائر الروايات ويوضحها كما ورد في أن نور النبي صلى الله عليه وآله خلق قبل خلق المكان ، وقد أسلفنا ان تنزهه عن لوازم المادة من الزمان والمكان دليل تجرده عنها ، والتجرد لا ينفك عن العقل كما ثبت في محله . وفي الروايات إشارات إلى تجرد العقل والقلم أيضا ولعنا نوفق للتنبيه عليها إن شاء الله تعالى فالجمع بين ما يدل على كون أول ما خلق الله نور النبي صلى الله عليه وآله أو العقل أو قلم وبين ما يدل على كونه الماء مثلا بحمل الأول على أول المجردات والثاني على أول الماديات وأما الجمع بين ما يدل على كونه نور النبي صلى الله عليه وآله وبين ما يدل على كونه العلل أو القلم فان قيل بوحدة الجميع أو كونها مراتب حقيقة واحدة فواضح وإلا فحمل الأولية على الإضافية دون الحقيقية . وقد مر تصريح ثلة من أساطين العلم والحكمة على كون خلق المحلوق الأول قبل خلق الزمان بل على جواز وجود موجودات كثيرة قبل وجود الزمان ، وقد أشرنا عند ذكر كلامهم إلى أن ذلك لا ينفك عن تجرد الصادر الأول أو كل ما وجد بلا زمان فتذكر